الصحة النفسية لطلبة الجامعات: خطوات حقيقة أم استجابة مؤقتة؟

باتت الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من الحديث اليومي، خاصةً في أوساط الطلبة الذين يواجهون ضغوطًا متزايدة داخل البيئة الجامعية. تتعددّ العوامل التي تضع الطّلبة على وجه الخصوص تحت وطأة ضغوط نفسية متباينة في شدّتها من فرد لآخر، وقد تتفاقم لدى البعض إذا لم تُواجَه بوعي ودعم كافيين. وتأتي الضغوط الأكاديمية في مقدمة هذه العوامل، بدءًا من كثافة الامتحانات وتتابعها، وما تفرضه من حالة استنزاف مستمر، وصولًا إلى التنافس المرتفع الذي يعزّز المقارنات ويؤثر في شعور الطلبة بالرضا عن أدائهم. 

ولا تقتصر هذه التحديات على سنوات الدراسة فحسب، بل تمتد إلى المراحل النهائية، حيث يواجه الطلبة المقبلون على التخرج ضغوطًا إضافية تتعلق بإجراءات الفصل الأخير ومتطلبات التخرج، إلى جانب الأعباء المالية المترتبة عليهم وعلى أهاليهم. وإلى جانب البعد الأكاديمي، تتداخل ضغوط عائلية واجتماعية، تتمثل في التوقعات المرتفعة وربط النجاح غالبًا بالتحصيل الدراسي فقط، فضلًا عن المقارنات المستمرة، ما يزيد من حدّة الضغط الذي يعيشه الطالب الجامعيّ. 

وفي ظل هذه العوامل التي تضع الطلبة في مواجهة يومية مع ضغوط متعددة المصادر، تبرز الحاجة إلى التوقف عند دور الجامعات وما اتخذته فعليًا في هذا الجانب، سواء من خلال الخدمات التي توفرها لدعم الصحة النفسية للطلبة ومستوى ملاءمتها لاحتياجاتهم، ومدى معالجتها جذور المشكلة، أم أنها تظل إجراءات مؤقتة محدودة التأثير. تصبح هذه المخاوف ملحّة مع تزايد الحالات النفسية المقلقة مؤخرًا بعد الحوادث التي شهدتها بعض الجامعات الأردنية خلال السنوات الأخيرة. ومن بين هذه الحوادث وفاة طالبة الطب روضة ضياء إثر سقوطها من طابق مرتفع داخل مستشفى الجامعة الأردنية عام ٢٠٢٦ كما سبقتها في عام ٢٠٢٢ وفاة الطبيبة المقيمة في تخصص التخدير ميرونا عصفور داخل المستشفى ذاته. 

 

ما خدمات الصحة النفسية التي تقدمها الجامعات؟

في هذا الإطار، أتاحت الجامعات مجموعة من الخدمات والمبادرات الهادفة إلى دعم الصحة النفسية للطلبة، تنوّعت بين الإرشاد النفسي والبرامج التوعوية. ومن أبرز هذه الخدمات دائرة الإرشاد الطلابي في الجامعة الأردنية، التي توفّر جلسات إرشاد نفسي فردية وجماعية، إلى جانب استشارات متخصصة تراعي خصوصية الطلبة وسرية معلوماتهم، فضلًا عن تحويل الحالات التي تستدعي تدخلًا طبيًا إلى قسم الطب النفسي في الجامعة الأردنية، بما يضمن تقديم رعاية متكاملة. يُشار إلى أنّ هذه الخدمة استُحدثت مؤخرًا ضمن التطبيق الرسمي لنظام تسجيل الطلبة في الجامعة الأردنية، حيث أُضيفت تحت بند «الدعم النفسي» لتمكين الطلبة من التواصل مع الجهات المختصة مباشرةً، سواء عبر الاتصال الهاتفي أو من خلال تطبيق واتساب (٠٧٩٩٧٠٠٠١٦).

وفي هذا السياق، أكّد عميد شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية صفوان الشايب أنّ الطلبة مرحّب بهم في أي وقت لطلب المساعدة، مشجّعًا إياهم على مراجعة دائرة الإرشاد الطلابي، ومشيرًا إلى أن دعم الطلبة نفسيًا يشكّل ركيزة أساسية في توفير بيئة تعليمية محفّزة والحفاظ على صحة نفسية سليمة داخل الحرم الجامعي. 

كما نظّمت عمادة شؤون الطلبة عددًا من المحاضرات التي تتمحور حول الصحة النفسية والتوعية بأهميتها، من بينها محاضرة بعنوان «الصحة النفسية للجميع» التي نظمها قسم علم النفس في كلية الآداب. وفي سياق متصل، أعلنت الجامعة الأردنية عن إطلاق مشروع علمي متخصص يهدف إلى تحسين الصحة النفسية للمراهقين بتمويل ٥٥٠ ألف دولار، ويسعى إلى تطوير نموذج علاجي يجمع بين الأساليب العلمية الحديثة في العلاج النفسي والقيم الإسلامية، بما يعزز المرونة النفسية ويسهم في تنظيم الانفعالات لدى المراهقين وأسرهم. 

واتجهت عدد من الجامعات الأخرى إلى تطوير خدماتها في مجال الدعم النفسي، في إطار سعيها لمواكبة هذه التحديات. فقد عقدت عمادة شؤون الطلبة في الجامعة الهاشمية ندوة «أمل وحياة» لتعزيز الوعي بالصحة النفسية لدى الطلبة، كما نظّمت ندوة توعوية بعنوان «كن واعيًا» بمشاركة مختصين في هذا المجال، تضمنت ورش عمل تفاعلية إلى جانب تقديم استشارات وإرشادات نفسية للطلبة. 

ومن أجل تسهيل الوصول إلى هذه الخدمات، أعلنت عدة جامعات عن وسائل مباشرة لطلب الدعم، حيث نشرت عمادة شؤون الطلبة في الجامعة الهاشمية (اللينك الثاني) عبر صفحتها الرسمية على الفيس بوك، آلية حجز مواعيد للإرشاد الأكاديمي أو الاجتماعي أو النفسي من خلال بوابة الطالب الإلكترونية، مع التأكيد على السرية التامة. كما دعت جامعة البلقاء التطبيقية الطلبة إلى التواصل مع قسم الإرشاد التربوي للحصول على الدعم خلال أوقات الدوام في مبنى عمادة شؤون الطلبة. 

وفي الإطار ذاته، تتيح منظومة الدعم النفسي عبر الموقع الرسمي لجامعة عمان الأهلية (منظومة الدعم النفسي/جامعة عمان الأهلية) جلسات إرشاد يقدمها أخصائيون مؤهلون، إلى جانب خدمات دعم فوري عبر المقابلات المباشرة أو الاستشارات الهاتفية. كما أطلقت جامعة مؤتة حملة للتوعية بالصحة النفسية، فيما شاركت جامعة آل البيت في ندوة مجتمعية تناولت حماية الأبناء من التنمر والأزمات النفسية، مسلّطة الضوء على التحديات التي يواجهها الشباب وأهمية توسيع خدمات الدعم النفسي ودمج مفاهيمه في المؤسسات التعليمية.

 

قراءة في جهود دعم الصحة النفسية للطلبة

تطرح هذه الخدمات رغم أهميتها تساؤلات حول مدى فاعليتها في الاستجابة لاحتياجات الطلبة. فجهود الجامعات، من خلال وحدات الإرشاد النفسي والندوات التوعوية، تحظى بالتقدير بوصفها خطوة إيجابية، إلا أنها لا تخلو من تحديات في التطبيق والتأثير. وتختلف هذه التحديات من جامعة إلى أخرى، إذ قد تتركّز بعض الخدمات في كليات محددة دون غيرها، أو تتأثر بمحدودية الموارد البشرية والتمويل، مثل قلة عدد المختصين مقارنة بأعداد الطلبة. 

كما يلاحظ أن بعض المبادرات تأخذ طابعًا مؤقتًا، يظهر في تنظيم ندوات أو دورات بشكل موسمي، دون أن يرافقها برامج مستمرة تضمن أثرًا طويل المدى. ويُضاف إلى ذلك تردد بعض الطلبة في الاستفادة من خدمات الإرشاد النفسي، نتيجة مخاوف تتعلق بمدى الحفاظ على السرية والخصوصية، رغم ما تعلنه الجامعات من ضمانات في هذا الجانب. من جهة أخرى، يرى عدد من الطلبة أن هذه الجهود لا تعالج جذور الضغوط التي يواجهونها، خاصة عندما تنفصل عن واقعهم الأكاديمي اليومي. فبعض الإجراءات التنظيمية، مثل تقارب مواعيد الامتحانات أو عقد أكثر من اختبار في اليوم نفسه، تفرض ضغوطًا إضافية، ما يحدّ من أثر المبادرات الداعمة للصحة النفسية ويجعلها أقل ارتباطًا بالتجربة الجامعية الفعلية.

يبقى تطوير خدمات دعم الصحة النفسية في الجامعات أمرًا ممكنًا ومكمّلًا للجهود القائمة، من خلال مسارات متكاملة تجمع بين البعد الاجتماعي والتطبيقي. فعلى المستوى المجتمعي، تبرز الحاجة إلى تغيير بعض التصورات النمطية المرتبطة بالعلاج النفسي، والتعامل معه بوصفه جزءًا طبيعيًا من الرعاية الصحية، لا وصمة مرتبطة بالضعف. 

أما على مستوى البيئة التعليمية، فيقع دور مهم على عاتق مختلف الأطراف، من خلال تأهيل الكوادر التدريسية وتدريبها على التعامل مع التحديات النفسية التي قد يواجهها الطلبة، إلى جانب تعزيز معايير التعيين بما يشمل الكفاءة المهنية والقدرة على التعامل بمرونة مع اختلاف شخصيات الطلبة واحتياجاتهم. وفي السياق ذاته، تتحمل إدارات الجامعات مسؤولية توسيع نطاق هذه الجهود، عبر تبنّي برامج تطبيقية تترجم مفاهيم الصحة النفسية إلى ممارسات واقعية، مثل إدراج خدمات العلاج النفسي ضمن مظلة التأمين الصحي للطلبة، وتنظيم فعاليات تفاعلية تعزز التوازن النفسي والاجتماعي. 

وتشمل هذه الفعاليات أنشطة رياضية تعزز روح الفريق والتنافس الإيجابي، إلى جانب مسابقات فكرية مثل المناظرات، وأنشطة ثقافية متنوعة كالشطرنج ونوادي القراءة والكتابة، بما يتيح للطلبة مساحات للتعبير والتفاعل خارج الإطار الأكاديمي. وفي المحصلة، يتطلب هذا الملف حلولًا أكثر شمولًا واستدامة، تضمن وصول خدمات الدعم النفسي إلى مختلف الطلبة بفاعلية. ومن ذلك تعزيز وجود وحدات دعم نفسي متخصصة داخل كل جامعة، إلى جانب مراجعة بعض السياسات الأكاديمية، مثل آليات جدولة الامتحانات وتوزيعها، بما يراعي العبء الدراسي ويحدّ من الضغوط المتراكمة.

يمثّل الاهتمام بالصحة النفسية لطلبة الجامعات استثمارًا طويل الأمد في بناء أجيال متوازنة وقادرة على التميّز أكاديميًا والتكيّف مع متطلبات سوق العمل، ومواجهة تحديات الحياة بثقة ومرونة. ولا يقتصر هذا الاهتمام على مرحلة عابرة أو مبادرات مؤقتة، بل يتطلب نهجًا مستمرًا وجهودًا متكاملة. وكذلك، تبرز أهمية وضع الصحة النفسية ضمن أولويات العمل الجامعي، بوصفها عنصرًا أساسيًا لا يقل حضورًا عن الجوانب المادية وتطوير البنية والخدمات داخل الحرم الجامعي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صلة