
أسهبَ الدارسون في وصف الحكايات والقصص، قالوا إنّ القصّة لا تكون قصّة بغير عناصرها، استخرجوا هذه العناصر من القصص بعد استقرائها، واجتمعوا أنّ لكلّ قصّة بداية ونهاية، وأنّ الأحداث تسير بسير شخصيّاتها، وأنّه لا قصّة بلا حبكة وصراع، والنهاية لا بدّ آتية. وقد أدركوا وجود قصص مبتورة، فبرّروا لها، ووضعوا أنواعًا حسب الطول والشخصيّات والموضوعات. اليوم وأنا على أعتاب التخرّج أفكّر بتجربتي في الجامعة بصفتها قصّة، كتلك التي أقرؤها، لكن الفرق أنّني لم أكتبها كاملةً ولم أشاهدها بل عشتها، وهي قصّة متكاملة العناصر: لها أماكنها، وسارت أحداثها بسير شخصيّاتها، واجتمعت فيها صراعات وحبكات، بدايتها كانت منذ أربع سنين، ونهايتها اقتربت.
كلّ قصص الطلبة في الجامعة فيها أمور كثيرة مشتركة، لعلّ أبرزها سوق العمل، لأنّ التفكير بالعمل يشكّل هاجس الطالب الأوّل منذ اللحظة التي يختار فيها تخصّصه، إلى الوقت الذي يبدأ به بسماع تعليقات الخرّيجين والعاملين حول بيئة العمل، وصولًا إلى الذروة: فصل التخرّج، الفصل الأخير الذي بعده تبدأ تجربة الطالب الحقيقيّة بالعمل، بعد أن كان قد سمع عنه، وجرّب فهمه، وحاول أن يكون جاهزًا له، لكن، كيف يبدو واقع الطلبة الحقيقيّ في التجهيز لسوق العمل خلال دراستهم الجامعيّة؟
إلى جانب المحاولات والتجارب الشخصيّة لكلّ طالب، فإنّ الجامعة تمنح الطلبة تصوّرًا ما عن سوق العمل، مؤخّرًا استحدثت الجامعة الأردنيّة مادّة جديدة باسم: الجاهزيّة لسوق العمل/ الإعداد الوظيفيّ، وهي مادّة إجباريّة لكلّ الطلبة، تركّز على الجانب النظريّ المتعلّق بموضوعات مثل كيفيّة إعداد السيرة الذاتيّة، والاستعداد للمقابلات، وعرض قوانين العمل في الأردن، والجانب التفاعليّ الذي تُعرَض فيه تجارب العاملين باستقبالهم والاستماع لتجاربهم. اختلفت ردود فعل الطلبة حول الجوانب التي تقدّمها هذه المادّة، وتفاوتت ما بين الرضا ومحاولة الاستفادة، إلى عدم الاقتناع بجدوى هذه المواد لأنّها أقرب للتنظير لا التطبيق، أو لأنّها برأيهم لا تطابق الواقع.
إنّ عدم الرضا ممّا تقدّمه مواد الجاهزيّة لسوق العمل له أسباب عدّة، منها حالة القلق التي يعيشها الطلبة في فصلهم الأخير بسبب نسب البطالة التي تتجاوز 20% بين الشباب، إلى جانب رغبة الطلبة بمعرفة تفاصيل قضايا مثل (الواسطة) وهي قضايا لا تناقشها مثل هذه المواد، لكنّها تُقلِق الطلبة ويفكّرون بها طوال الوقت. بالإضافة إلى وجود تناقض بين ما يسمعه الطلبة وما يرونه، لا يوجد طالب جامعيّ لم يسمع من أقربائه أو أصدقائه أو زملائه السابقين في التخصص تعليقات حول تجاربهم في العمل، والتي تدور أغلبها حول عرض السلبيّات والحديث عن المنافسة العالية وضرورة تطوير المهارات، لذلك فإنّ أيّ خطاب تفاؤليّ قد يشكّل لهم قلقًا وتساؤلًا حول واقعيّته. ولأنّ هذه المواد تركّز على الجانب النظريّ فإنّها تثير ملل الكثيرين خصوصًا في قضايا مثل إعداد السيرة الذاتيّة وهو موضوع صار تعلّمه سهلًا ومتاحًا للجميع.
ومن المشكلات الحقيقيّة في مثل هذه المواد أنّها ليست امتدادًا لمواد سابقة، أو بناءً تراكميًّا لمهارات وتجارب تُمنح للطلبة منذ عامهم الدراسيّ الأوّل وتفيدهم في سوق العمل، إنّ الكثير من المقرّرات الدراسيّة وأعضاء الهيئة التدريسيّة يتجاهلون فكرة سوق العمل وارتباط المواد التي يدرّسونها بها، وقد يندر استحضار قيمة بعض الأفكار وطريقة توظيفها في مجالات غير أكاديميّة وخارج نطاق الجامعة والاختبارات والمحاضرات.
يمكن أن تتحوّل مواد الجاهزيّة لسوق العمل إلى تجارب مُجدية أكثر ببعض الإجراءات الجذريّة أهمّها ألّا تكون أعداد الطلبة في الشُعب ضخمة ممّا يصعّب فكرة عقد الحلقات النقاشيّة والاستماع للطلبة ومحاورتهم والاطّلاع الفعليّ على واقعهم. بالإضافة إلى استبدال الأنشطة التقليديّة بأنشطة تعزّز حقًا المهارات التي يحتاجونها بشكل عامّ كالقدرة على التعبير والتفكير والبحث، والتي يحتاجها السوق بشكل خاصّ كالتعاون وتقبّل الاختلاف والتفكير الناقد، مثلًا استبدال الواجبات التقليديّة بواجبات تطلب من الطالب أن يعبّر بأريحية وبشكل حقيقيّ عن نفسه، ومنحه باستمرار تغذية راجعة لما يقدّمه، والإجابة عن تساؤلاته.
كلّ هذه إجراءات قد تمنح بعض الطلبة الطمأنينة أو تجربة أكثر فائدة وقيمة، خصوصًا إن كانت مرتبطة بواقع سوق العمل، ومحاوِلةً مساعدة الطلبة بإجراءات مثل دمجهم وتعريفهم بالفرص والتدريبات التي يمكن أن يكونوا جزءًا منها خلال فصل التخرّج أو بعده.
إلى جانب مواد الإعداد الوظيفيّ، تقيم الجامعة الأردنيّة بشكل دوريّ معرضًا وظيفيًّا بالتعاون مع العديد من الشركات والمؤسّسات، وتعلن عنه على مواقع التواصل الاجتماعيّ الرسميّة للجامعة. يشكّل هذا المعرض من حيث فكرته جسرًا بين الطلبة الخرّيجين تحديدًا والعاملين في شركات ومؤسّسات حكوميّة وخاصّة، وفكرته اجتماع الطلبة الباحثين عن فرص للتدريب أو التطوّع أو التوظيف مع جهات قد تقدّم ما يطلبون.
يُقبِل الطلبة على المعرض الوظيفيّ بأعداد ملحوظة، وإن اختلفت دوافعهم فإنّهم في الغالب يجتمعون على بحثهم عن المؤسّسات التي ترتبط بمجال دراستهم في الجامعة، وتجهيزهم سيرتهم الذاتيّة وتعريفًا قصيرًا بنفسهم في حال أبدى بعض العاملين اهتمامًا. المعرض برمّته تجربة استكشافيّة تتيح للطالب محاولة تفاعل مع سوق العمل والعاملين فيه، والتعريف بأنفسهم، والتعرّف على أسماء شركات ومؤسّسات قد تكون جديدة عليهم، أو الحصول على فرصة حقيقيّة للتدريب أو العمل.
على الجانب الآخر قد يكون المعرض تجربة محبِطة للكثيرين خصوصًا لطلبة الكلّيّات الإنسانيّة الذين يلاحظون قلّة مشاركة المؤسّسات والشركات المتعلّقة بمجالات تخصّصهم أو عدم اهتمام بعض المؤسّسات بهؤلاء الطلبة مع أنّ الواقع يكشف دورهم وتنوّع المجالات التي يمكن أن يساهموا بها في شتّى المؤسّسات.
الذين استمرّوا بالذهاب إلى المعرض كلّ سنة لاحظوا تكرار الشركات والمؤسّسات المشارِكة وعدم تنوّعها على مرّ السنين، وهذه من النقاط التي يمكن العمل عليها إلى جانب بناء تجربة متكاملة وأكثر تنظيمًا تبدأ قبل المعرض بأسابيع كالإعلان بتفصيل عن المؤسّسات المشارِكة، وعرض المجالات المتاحة للعمل فيها، واستقبال تغذية راجعة من الطلبة، مع التوسّع في استقطاب مؤسّسات وشركات للمشاركة في المعرض الوظيفيّ تتعلّق بكلّ التخصّصات الجامعيّة.
في كلّ القصص “ليس الخبر كالمُعاينة” على فرض أنّه لا يمكن لأيّ قارئ أن يفهم تمامًا طبيعة الأحداث ومشاعر الشخصيّات ما لم يعش ما عايشوه، وفي قصّة الجامعة مهما سمع الطالب أو انخرطَ في ما يخصّ سوق العمل خلال فترة دراسته الجامعيّة، لن يكون تمامًا كالتجربة الحقيقيّة في العمل ومعاينة الواقع والعيش فيه، لكن لا يوجد ما يمنع منح الطالب تجربة واقعيّة ومحاولة حقيقيّة لتفهّم مخاوفه ومساعدته على تجاوزها، وربطه بأكبر قدر ممكن من الفرص المتاحة.



