
أقرّت عمادة شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية شباط الماضي عددًا من التعديلات على تعليمات انتخابات اتحاد الطلبة، كان أبرزها منح الجامعة صلاحية تعيين ما نسبته 20% من أعضاء اتحاد الطلبة. بررت العمادة ضمنيًا “مقاعد التعيين” هذه بالحاجة لتمثيل شرائح طلابية مختلفة مثل الطالبات والطلبة الدوليين وذوي الإعاقة، في حين وجدتها معظم الكتل الطلابية “تمس جوهر العملية الانتخابية وتنتقص من حق الطلبة في اختيار ممثليهم بحرية ونزاهة”، بحسب البيان المشترك.
تناولت المدونة الطلابية هذه التعديلات والمخاوف التي تثيرها والتطور الذي مرت به هذه القضية بتوسع في مادة سابقة. ولذلك، تأتي هذه المقابلة لتركز على زاوية أخرى تنطلق من سؤال: هل التعيين هو الحل الوحيد لتمثيل مختلف الفئات الطلابية؟. في البداية، تبحث المقابلة في واقعية المشكلة التي جاءت هذه التعديلات للتعامل معها وهي نقص تمثيل بعض الفئات الطلابية، ومن ثم نقيّم الحل الذي قدمته الجامعة، محاولين استكشاف حلول بديلة للتعيين تعزز من تمثيل مختلف الطلبة وتكون أقل إشكالية من ناحية القدرة على توظيفها سياسيًا.
للإجابة على هذه الأسئلة، ينضم إلينا المحامي والناشط الحقوقي بهاء الدين العتلة، يحاوره طالب كلية الحقوق في جامعة آل البيت عدي العليمات. شغل العتلة منصب عضو في اتحاد طلبة الجامعة الأردنية عام 2019، ومارس نشاطه الحقوقي منذ أن كان جزءًا من فريق حقوق الإنسان، قبل أن يتخرج وينضم لنقابة المحامين ويخصص الحصة الأكبر من عمله ضمن لجنة الحريات في النقابة، ودفاعًا عن الطلبة والناشطين والصحفيين.
جاءت التعليمات الجديدة لإتحاد طلبة الجامعة الأردنية بفكرة التعيين من أجل تعزيز تمثيل بعض الفئات الطلابية من الطالبات والطلبة الدوليين وذوي الإعاقة. لكننا قبل أن ننظر في إشكالية التعيين، من الجدير بنا أن نسأل فيما إذا كانت المشكلة التي تريد الجامعة حلّها موجودة فعلاً. بناءً على إطلاعك، هل تعتقد أن هذه الفئات تعاني من تمثيل منخفض؟
بهاء: من وجهة نظري، فإن المبررات التي ادعتها العمادة لتعديل تعليمات انتخابات اتحاد الطلبة هي مبررات هشة، وحتى لو افترضنا واقعيتها، أعتقد أن هناك مبالغة مفرطة في الحديث عن نقص التمثيل كميًا ونوعيًا دون الاستناد لبيانات مؤكدة. بناء على تواجدي كعضو اتحاد سابق واطلاعي على المشهد في الجامعة الأردنية، لم نعاني يومًا من مشكلة في تمثيل مختلف شرائح الطلبة، ولم تتقدم أي من هذه الشرائح بطلبات لتمثيلها أو تثير نقاشًا عامًا حول تهميشها.
على سبيل المثال، شكلت نسبة الطالبات المرشحات في انتخابات عام 2024 ما يعادل 39% من مجمل المترشحين البالغ عددهم 593 طالبًا، مقابل 61% من الطلبة الذكور، وهي نسبة تفوق معدل تمثيل النساء في البرلمان الأردني والتي تبلغ 20% بما فيها مقاعد الكوتا. وحتى معدلات المشاركة في الانتخابات الماضية تجاوزت 52%، وهي نسبة مرتفعة تدلل على شرعية هذا الاتحاد. وفي انتخابات عام 2019، كان عدد الطالبات المرشحات مساويًا للمرشحين الذكور تقريبًا على مستوى قوائم الجامعة، بل وأذكر أن قائمة التجديد العامة قد مثلت نفسها بعشرة طالبات مقابل خمسة طلاب. وفي الانتخابات التي سبقتها عام 2018، فازت ثلاثة طالبات من أصل ستة رشحتهن قائمة أهل الهمة العامة. وما بين الأعوام 2012 و2018، صدّرت كتلة أهل الهمة 20 طالبة ضمن الهيئة التنفيذية و117 طالبة ضمن عضوية لجان الإتحاد، بحسب التقارير الإعلامية التي غطت هذه الانتخابات.
وحتى على صعيد الطلبة الدوليين وذوي الإعاقة، فقد كانوا ممثلين في الدورات السابقة للانتخابات، وأذكرُ زملاءً من الجالية الفلسطينية ضمن عضوية الإتحاد، فضلاً عن أن الطلبة الدوليين والجاليات يمتلكون أنديتهم الخاصة ويجرون انتخاباتهم بداخلها، ونظام اتحاد الطلبة مفتوح ولا يمنع ترشحهم طالما استوفوا الشروط الأكاديمية المطلوبة. هناك أمر آخر مهم، وهو أن تمثيل قضايا هذه الشرائح لا يرتبط بتعيين طلبة ممثلين عنهم بالضرورة، حيث لطالما توجه الطلبة للاتحادات من أجل متابعة قضايا تمس الطالبات وذوي الإعاقة والطلبة الدوليين.
من هذه الملفات مثلاً ما شارك به الاتحادات ضمن مبادرة الجامعة الأردنية لإنشاء وتأهيل ممرات منحدرة، ومرافق صحية، ومداخل خاصة في الكليات، خاصة في مجمع القاعات الطبية والإنسانية، لضمان سهولة الوصول والتنقل، ودمج الطلبة ذوي الإعاقة في الحياة الجامعية. وتولت الاتحادات مرارًا ملف الوضع الصحي وظروف السلامة في سكنات الطالبات الجامعية، ورفضت قرارات الجامعة المتكررة حيال زيادة الرسوم الجامعية على الطلبة الدوليين، بالإضافة لمختلف القضايا الحقوقية التي تمس الطلبة على اختلافهم.
طبعًا لا أهدف بذكر هذه الأمثلة القول بأن ما تم إنجازه يكفي أو بأن هذه الاتحادات مثالية، بالتأكيد من الممكن أن يكون هناك تقصير ومجال أكبر للتطوير والتحسين، لكن الفكرة أن ننظر للواقع بإنصاف، فالفئات الطلابية المتضررة من تهويل مسألة نقص التمثيل ومن التعديلات التي تزعم حل هذه المشكلة أكثر من الفئات المستفيدة. وحتى لو أردنا تعزيز تمثيل هذه الفئات الطلابية، فالتعيين بالتأكيد ليس أحد الحلول.
دعنا ننطلق من هذه الفكرة، فلو افترضنا أن الفئات المذكورة تواجه نقصًا في التمثيل الطلابي بالفعل أو أننا بالحد الأدنى نريد تعزيز تمثيلها، ما الأزمة في حل هذه المشكلة عبر التعيين؟ وكيف يعزز ذلك فكرة المحاصصة او التنفيع بدلاً من التمثيل بناءً على الكفاءة واختيار الطلبة؟
بهاء: هناك الكثير من المشاكل في فكرة تعيين أعضاء الاتحاد. أولاً التعيين بحد ذاته وسيلة غير ديمقراطية وتؤثر سلبًا على العملية الانتخابية، وهو أشبه بممارسة الوصاية على الطلبة بدلاً من إتاحة حرية الاختيار لهم، وهو ما يناقض فكرة الانتخاب في جوهرها، لأن الأصل ان يختار الطلبة ممثليهم بشكل كامل، أما ما يحصل هو بمثابة أن تقول الجامعة “انتم لا تعرفون ان تختاروا بعض ممثليكم والافضل ان أعيّنهم انا”، وهذا قطعًا مرفوض.
حتى على الصعيد القانوني والسياسي، لا تنسجم هذه التعديلات مع معايير حقوق الإنسان أو معايير الانتخاب الديمقراطي التي كفلها الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في حرية الاختيار. كما أنها تتناقض مع المسار السياسي والنهج الديمقراطي الذي تسير فيه الدولة الأردنية لتوسيع المشاركة، ولن يكون مقبولاً بأي شكل مثلاً أن تقرر الحكومة تعيين جزءًا من مجلس النواب، فلماذا يكون مقبولاً القيام بذلك في اتحادات الطلبة.
لفتت الكتل الطلابية أيضًا النظر إلى مشاكل أخرى جلبتها التعديلات الأخيرة مثل اعتبار الكليات جميعها ذات وزن واحد بغض النظر عن عدد الطلبة فيها، وتقليص حصة القائمة العامة من 18 مقعد إلى 14 مقعد. أخيرًا، اريد أن اقول أن التعيين انتقاص ضمني من الفئات التي تريد الجامعة تعيينها، فالطالبات وذوي الاعاقة والطلبة الدوليون هم الأقدر على اختيار من يمثلهم وليس الجامعة، وتعيين مقاعد خاصة لهم يفترض أنهم غير أكفّاء كفاية للقيام بذلك بأنفسهم.
هل لديك أية توقعات حول الأسباب وراء اختيار هذا العدد من المقاعد للتعيين والذي يعبر عن حوالي 20% من مجلس الطلبة؟ لماذا ليس 25% أو أقل أو أكثر على سبيل المثال؟
بهاء: لا توجد معلومات مؤكدة حول ذلك، لكن لدي وجهة نظر ناتجة عن قراءة لانتخابات العام الماضي. في تلك الانتخابات، حصد التيار الإسلامي نصف مقاعد اتحاد الطلبة على مستوى الجامعة وجمع مرشحيهم حوالي 10 آلاف صوت، وحينها كان من الصعب للغاية تحييدهم عن اللجنة التنفيذية -التي ينتخبها جميع أعضاء الاتحاد الفائزين- رغم كل التضييقات والتحالفات التي حيكت ضدهم.
هذا الاقبال على التصويت للاسلاميين برأيي خلق حالة من القلق لدى بعض الجهات حيال احتمالات اكتساحهم هذه الدورة أيضًا، ولذلك فإن إقرار هذه التعديلات وبهذا العدد من المقاعد المعيّنة برأيي سيجعل مُهمة إقصائهم أسهل وأكثر شرعية. فوجود كتلة مُعينة تشكل 20% من المجلس وتتبع في قرارها للجهة التي عيّنتها كفيل بتنفيذ تحالفات تقصي تيارات بأكملها عن عملية اتخاذ القرار في الاتحاد. وبصراحة هذا ما نخشاه حقيقةً أكثر من التعيين بحد ذاته، وهو أن يتم توظيف التعيين سياسيًا لتصميم اتحاد على مقاس العمادة.
الآن أصبحت التبعات التي قد تترتب على التعيين واضحة، لكن ما البديل برأيك؟ هل هناك وسيلة قانونية بديلة عن التعيين لتعزيز تمثيل مختلف الفئات الطلابية؟
بهاء: اولاً أود أن أقول أننا لا نحتاج بديلاً عن التعيين لأننا لم نثبت المشكلة التي جاء التعيين لحلّها من الأساس. ولذلك أنا أؤيد بعض الطلبة الذين يطالبون بالعدول عن هذه التعديلات بالكامل والعودة للتعليمات السابقة، بدلاً من التفاوض على فرضيات العمادة. هذا ينطبق أيضًا على بعض الاقتراحات التي تناولت إنشاء لجان استشارية ممثلة عن هذه الفئات ومساندة لدور الإتحاد، لكننا يجب أن نسأل: لماذا نحتاج لجاناً استشارية أصلاً؟، لأننا إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فليس لنا حاجة بهذه اللجان، اتحاد الطلبة على مدار سنوات كان جسمًا شرعيًا ممثلاً عن الطلبة، ولأنه يأتي بأصواتهم، كان الطلبة أيضًا قادرون على محاسبته عندما يقصّر أو يخفق، وهذا ما يجب أن يحصل في كل القضايا الحقوقية بغض النظر عن الجهة المستفيدة منها.
لكننا لو أردنا جدلاً طالبات أكثر في الإتحاد وكذلك ممثلون عن ذوي الإعاقة والطلبة الدوليون، فإن نظام الكوتا يفي بالغرض تمامًا ويمكن تطبيقه بتخصيص مقاعد محددة لكل فئة، مثلما هو مطبّق في مجلس النواب، ومن يرغب بالترشح يمكنه المنافسة على هذه المقاعد الثابتة انتخابيًا وليس تعيينًا، وبذلك تحترم العمادة حرية الاختيار لدى الطلبة وتحقق ما تريده من تمثيل. وهذا ما قامت الكتل الطلابية باقتراحه على عميد شؤون الطلبة في اجتماعها. طبعًا هذه ليست دعاية لنظام الكوتا لأن هذا النظام لديه إشكالياته أبرزها التركيز على التمثيل الكمي بدلاً من التمثيل النوعي، لكنه مقارنة بالتعيين يظل أفضل.
برأيي ما هو أهم من ذلك هو أن تعالج الجامعة جذور المشكلة وليس أعراضها، مثلاً إذا كانت هذه الفئات الطلابية تعزف عن المشاركة في الانتخابات، فلتنظر إلى أسباب هذا العزوف. وأحد هذه الأسباب هو التضييقات التي تمارسها العمادة على الطلبة الناشطين ممن تستدعيهم وتحيلهم للتحقيق وتتخذ بحقهم إجراءات تأديبية. من ناحية الأولوية والمنطق، فهذه المشاكل عاجلة أكثر من المشاكل التي نبتكرها، وبحلّها، نذلل العقبات أمام مشاركة الطلبة في الحياة السياسية.
في ظل هذه التعديلات والرفض الطلابي الواسع لها، ما هي قراءتك لحجم مقاطعة الانتخابات المنوي عقدها في 19 أيار الجاري وتوقعاتك لمستقبل الاتحاد القادم؟
بهاء: أعتقد أن حجم المقاطعة سيكون كبيرًا جدًا، خصوصًا وأن التيار الاسلامي الذي حصد حوالي نصف أصوات طلبة الجامعة الانتخابات الماضية قد أعلن مقاطعته ضمن البيان المشترك مع كتل أخرى وهي التجديد والكرامة والعودة. أما شكل الاتحاد القادم فلا يخدم إلا مصالح القوى الطلابية التي لم تعلن المقاطعة. بالنسبة لي، فإن ما يحصل هو توجه علني نحو تعطيل الحياة السياسية داخل الجامعة وتفريغ العمل الطلابي من مضمونه وخلق فجوة أكثر عمقًا بين الطالب والجامعة، لإنه لو كانت الجامعة حريصة حقًا على تمثيل الطلبة، يفترض بها أن تكترث بالكتل التي أعلنت مقاطعتها الانتخابات القادمة وتمثل أكثر من 60% من أصوات الطلبة.




