مدونات الطلبة

التمثيل بشروط: لماذا أثارت التعليمات الجديدة لاتّحاد الاردنية جدلاً واسعًا؟

في الانتخابات الماضية لاتحاد طلبة الجامعة الأردنية لعام 2024، شكلت هذه الحادثة محطة مفصلية في الحياة الطلابية، حيث جاءت بعد انقطاع دام أربع سنوات منذ آخر دورة انتخابية، وهو انقطاع ارتبط بتداعيات جائحة كورونا وما تبعها من تعليق انتخابات اتحاد الطلبة في عدد من الجامعات الأردنية. عودة الانتخابات حينها قُدّمت بوصفها استعادة لمسار ديمقراطي طال تعطّله، وباعتبارها فرصة لإعادة بناء الحياة التمثيلية داخل الحرم الجامعي بعد سنوات من الغياب. 

حملت النتائج تصدرًا لقائمة أهل الهمة محققة نحو نصف مقاعد القائمة المركزية في مشهد أعاد توضيح الخريطة الطلابية والمزاج العام داخل الجامعة آنذاك. كما احتفى رئيس اللجنة العليا للانتخابات الدكتور زياد الحوامدة بمستوى التنظيم والمشاركة الواسعة التي شهدتها هذه الدورة قائلاً إن “نسبة الاقتراع بلغت 52.5% من إجمالي من يحق لهم التصويت، وهي نسبة عالية مقارنة بآخر انتخابات جرت بالجامعة”، مضيفًا أن “إدارة الجامعة حرصت على أن تكون على مسافة واحدة من كافة المشاركين في العملية الانتخابية”. 

إلا أن هذه “المسافة الواحدة” قد شهدت تغييرًا بعد أن أعلنت عمادة شؤون الطلبة تعديلات على تعليمات انتخابات اتحاد الطلبة في الجامعة الأردنية في الثاني من شباط الماضي، تشمل تعيين 20.7% من أعضاء الاتحاد من قبل عميد الكلية وبعد التشاور مع عمادة شؤون الطلبة، “بناءً على أسس تعتمدها اللجنة العليا للانتخاب” وهي أسس لم تنشر بعد. حددت هذه التعيينات اختيار طالبة واحدة من كلّ كلية لتمثيل الطالبات في المجلس، وطالب واحد فقط على مستوى الجامعة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وطالبين دوليين اثنين لتمثيل الطلاب الدوليين في الجامعة، فيما يتم انتخاب البقية على أساس القائمة النسبية المغلقة، حيث يصوّت الطالب للقائمة ككل وليس للأفراد سواء أكان على مستوى الكلية أم الجامعة. 

لم يُستقبل هذا القرار بوصفه تعديلًا تقنيًا، حيث اعتبره الطلبة ممثلين بأربعة من الكتل الطلابية (أهل الهمة والكرامة والتجديد والعودة، يضاف لهم نادي حقوق الإنسان) يمس جوهر العملية الانتخابية وينتقص من حق الطلبة في اختيار ممثليهم بحرية ونزاهة، بحسب البيان المشترك الذي نشروه في 13 نيسان الجاري. وفي البيان نفسه، دعت الكتل إدارة الجامعة للتراجع عن التعديلات الأخيرة لتعليمات الانتخابات، وأكدّت مقاطعتها لانتخابات اتحاد الطلبة في حال لم يتم العدول عن التعديلات، وتؤكد على حقها بتنظيم التحركات لمجابهة التعديلات بكافة الأدوات السلمية.

كيف تطوّرت القضية؟

قبل أن تعلن عمادة شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية عن تعديلاتها الأخيرة، جرى تجاهل عقد انتخابات العام الدراسي الماضي 2025 والتي تتبع آخر انتخابات جرى عقدها عام 2024. وفي ذلك الوقت، لم تقم العمادة أو الجامعة بتوضيح الأسباب، لكن بعض الكتل الطلابية عبّرت عن موقفها من ذلك. اعتبرت كتلة التجديد في آذار العام الماضي التأجيل غير مبرر ويضاف لقيام الجامعة بعدم عقد انتخابات الأندية الطلابية أيضًا، ثم جاء بيان أهل الهمة الذي قال “إن التمثيل الطلابي لا يمكن أن يستمر بقرار إداري، ولا تُمنح له الشرعية إلا عبر صناديق الاقتراع، وأن التعلل بأي مبررات لا يُلغي حقيقة أن ما جرى هو تجميد لمبدأ المشاركة الطلابية، وإقصاء لصوت الطلبة”.

مهدّت هذه الظروف للتعديلات الجديدة بشكل غير مباشر، وعندما أُعلن عنها، فاقمت من شعور الاستياء لدى الطلبة فيما يتعلق بهذا الملف. وعندما جاءت التعديلات، شهدت الأسابيع التي تلتها عقد القوى الطلابية المذكورة -بحسب بيانهم– سلسلة من الاجتماعات، وإعداد مسودة تعديلات متكاملة، تم عرضها على عمادة شؤون الطلبة، كما رفعت مذكرة رسمية إلى رئاسة الجامعة تعبّر فيها عن رفضها لهذه التعديلات وقدّمت مقترحاً متكاملاً لمعالجة الملاحظات التي يدّعى أن التعديلات جاءت من أجلها، إلا أن “هذا الجهد قوبل بتجاهل غير مبرر، ودون أي رد رسمي حتى اللحظة، بما يعكس حالة من التهميش غير المقبول لدور القوى الطلابية كشريك أصيل في صياغة الحياة الجامعية”، نقلاً عن البيان.

وبينما لم تكن النشامى جزءًا من هذا البيان، إلا أن الكتلة ظهرت في منشور العمادة حول لقائها بممثلي القوائم الطلابية الذي غابت عنه أهل الهمة، وقال المنشور أن عميد شؤون الطلبة صفوان الشايب استمع إلى مطالب ممثلي القوائم بشأن التعديلات الأخيرة على تعليمات اتحاد الطلبة، حيث قدّم شرحًا مفصلًا حول هذه التعديلات، مبيّنًا أهدافها والغاية منها. كما رحب العميد بمقترحات القوى الطلابية المختلفة، مؤكدًا أن أبواب العمادة مفتوحة أمام جميع الآراء والمبادرات التي تسهم في تطوير العمل الطلابي وخدمة الطلبة. 

لم يفض هذا اللقاء إلى العدول عن أي من التعديلات المعلنة، بل قررت العمادة تحديد موعد إجراء الانتخابات الطلابية في 15 أيار القادم، وأعلنت إجراءات الانتخابات وتفاصيل مسهّلة يمكن للطلبة عبرها الترشح إلكترونيًا لانتخابات الإتحاد، وأطلقت جولة ميدانية في معظم كليات الجامعة قدمت خلالها شرحًا لتعليمات اتحاد الطلبة. إلا أن واحدة من أهم هذه الأنشطة التي انخرطت بها العمادة هي مشاركتها في إطلاق دراسة حول مشاركة الطالبات في الاتحادات الطلابية بتنظيم من اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة وبالتعاون مع مركز الأميرة بسمة لدراسات المرأة في جامعة اليرموك وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.

توصلت الدراسة إلى أن التحديث السياسي قد عزز المشاركة النسائية في الانتخابات الطلابية، حيث شهدت جميع الجامعات ارتفاعاً في عدد الطالبات المرشحات والمقترعات، والمفارقة أن لجنة التحديث السياسي أطلقت عام 2021، أي أنها لم تكن موجودة خلال الفترة الزمنية التي تتناولها الدراسة وهي ما بين الأعوام 2018-2024. وحتى منذ عام 2021، فقد جرى تعليق الانتخابات خلال جائحة كورونا ولم تعقد بعد ذلك مجددًا حتى عام 2024. 

ورغم ارتفاع عدد المرشحات، وجدت الدراسة أن نسب فوز الطالبات في معظم الجامعات (الأردنية، اليرموك، الهاشمية) قد تراجعت، مشيرة إلى أن “أنظمة الدعم مثل (الكوتا والتعيين) قد ساهمت في رفع التمثيل النسائي (كما في جامعتي العلوم والتكنولوجيا ومؤتة)، لكنها تحتاج إلى تحسين الشفافية لضمان العدالة”، وذلك بحسب الملخص التنفيذي للدراسة والمنشور على موقع اللجنة الوطنية لشؤون المرأة. لم ينشر الموقع الدراسة والبيانات كاملة، إلا أن هذه التوصيات تنسجم مع الواقع الجديد الذي قدمته العمادة.

حتى اللحظة، تتمسك الكتل الطلابية بموقفها في مقاطعة الانتخابات، معتبرة أنها لا تتفاوض حول نسب التعيين لأن التعيين “مرفوض كمبدأ لا كأسس وآلية توزيع للمقاعد المعيّنة”، بحسبهم. فيما لا يبدو أن الجامعة من المحتمل أن تتراجع عن تعديلاتها أو تحسّنها. وإلى جانب ذلك، ذكرت منصة أحرار لحقوق الإنسان تعرّض “عشرات الطلبة والخريجين الناشطين لاستدعاءات أمنية تهدف لثنيهم عن موقفهم الداعي إلى المقاطعة”، إلا أن المدونة الطلابية لم تتمكن من تأكيد هذه المزاعم حتى اللحظة. 

ما المشكلة في التعديلات الأخيرة؟

مثلما هو واضح، تمحور النقاش العام لتعديلات تعليمات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية حول قرار التعيين وتبعاته، حيث لم توضح الجامعة لماذا جرى اختيار تعيين هذا العدد المحدد من الطلبة دون غيره، فلماذا طالبة من كلية وليس طالبتين فرضًا. إن فهم هذه المبررات ضروري لفهم المنطق وراء التعديلات، أولاً لأن الطلبة بحاجة لإدراك تصور الجامعة أو العمادة عن “التمثيل”، مثلاً كيف اعتبرت العمادة أن تعيين طالب واحد من ذوي الإعاقة على مستوى الجامعة كفيلاً بتمثيل هذه الشريحة المجتمعية. وثانيًا لأن نسبة 20.7%، أي خمس الاتحاد على الأقل، هي نسبة مؤثرة جدًا. 

تعبر هذه النسبة عن 20 طالبة يمثلن عشرين كليّة (في الجامعة الأردنية فرع عمّان فقط)، يضاف لها طالبين دوليين وطالب من ذوي الإعاقة، بمجموع 23 طالبًا من مجمل 111 طالبًا يشكلون أعضاء اتحاد الطلبة في الجامعة. هذا الرقم لا يعبّر حصة هامشية ويمكن لكتلة بهذا الحجم أن تقلب الموازين، لكن الفكرة ليس تقليص هذا الرقم، حيث لم تطالب الكتل بهذا من الأساس وترفض كل مسألة التعيين بالمجمل، لأن التعيين يغيّر مصدر الشرعية داخل الاتحاد، فبدلاً من أن تكون الشرعية مستمدة من أصوات الطلبة، يستمدها العضو المعيّن من الجهة التي اختارته، وهذا من شأنه أن يؤثر على طبيعة القرار. 

بالإضافة لذلك، لم توضح الجامعة الأسس التي ستعتمدها لتعيين هؤلاء الطلبة وما الدور الذي سيلعبه عميد الكلية في ذلك، وكيف ستحول هذه الأسس دون أن تتحول عملية التعيين إلى تنفيعات مدروسة. وحتى لو كانت هذه الأسس هي الأفضل واختارت الجامعة أكثر الطلبة كفاءة، تحدثّ الإعلامي عدنان حميدان في بث نظمته كتلة أهل الهمة حول أن اللجوء لهذه التكتيكات قد يكون وسيلة لتمرير القرار قبل توظيفه لمصلحة الجامعة أو حتى زيادة نسبة التعيين في الاتحاد تدريجيًا، عودةً إلى اختيار مجلس طلبة مُعيّن بالكامل، مثلما كان الوضع عليه ما بين الأعوام 2000-2008. 

لم تنل فكرة التعيين استحسانًا حتى من الفئات التي جاءت لتعيينها، فقد قالت إحدى الطالبات إن هذه التعديلات لم تعزز العدالة أو توسع التمثيل الطلابي، ولم تضمن تكافؤ الفرص. بالنسبة لها، فإن مبدأ التعيين يتعارض مع الإرادة الطلابية والاختيار الحر، ويضعف مبدأ الشراكة ويؤثر على الثقة بالعملية الانتخابية. كما يشعر الطلبة أن النتائج لم تعد تعتمد بالكامل على أصواتهم، ما قد يقلل الحافز للمشاركة ضمن الأطر الطلابية المنظمة، ويؤدي إلى تراجع الإقبال على الانتخابات عامًا بعد عام. 

من زاوية أخرى، تسبب هذه المقاعد التي تريد العمادة تعيينها تشوهًا في دور القائمة العامة وتقلل نسبة مساهمتها في عضوية الاتحاد بنسبة 22%. لتوضيح ذلك، كانت عضوية الاتحاد الإجمالية والتي تبلغ 111 مقعدًا تتوزع ما بين 18 مقعداً للقائمة العامة على مستوى الجامعة و93 مقعداً على مستوى الكليات. عند إضافة حصص التعيين البالغة 23 مقعدًا، تصبح التوزيعة كالآتي: 14 مقعداً على مستوى الجامعة، و74 مقعدًا على مستوى الكليات. 

تستند المخاوف وراء تقليص مقاعد القائمة العامة إلى أن القائمة العامة هي المساحة التي تسمح للطلبة بالتصويت على برامج ورؤى شاملة تعبّر عنها الكتل الطلابية حول واقع الجامعة كلها، بدلًا من الاكتفاء بالتمثيل المحلي داخل الكليات والذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بسمعة الأفراد داخل كلياتهم وبنشاط اللجان الأكاديمية في الأقسام والتخصصات. وعندما تُقلَّص حصة القائمة العامة، قد يتحول التنافس إلى طابع خدماتي أو فئوي ضيق ويصبح المرشح ممثلًا لدائرة صغيرة أكثر من فرصته في أن يعبّر عن مشروعًا عامًا.

إلى جانب البنود المرتبطة بالتعيين والمخاوف التي تثيرها، حمل التعليمات الجديدة تعديلاً آخرًا حول الدوائر الانتخابية من الكليات. يعتبر التعديل الجديدة أن كل كلية دائرة انتخابية واحدة بعض النظر عن عدد طلبتها، وهو ما يلغي معيار عدد الطلبة في تحديد عدد المقاعد المخصصة للكليات. يتجاهل ذلك حقيقة أن بعض الكليات تضم أعدادًا متفاوتة من الطلبة ويمنحها وزنًا متساويًا في التمثيل. على سبيل المثال، تضم كلية العلوم 2400 طالبًا وكلية الطب 3200 طالبًا وكلية الآداب 3938 طالبًا وكلية الهندسة 5392 طالبًا وكلية الآثار والسياحة 807 طالبًا. وهذا عمليًا يمكن فهمه على أن صوت الطالب في كلية معينة يصبح أكثر وزنًا من صوت طالب آخر في كلية أكبر. 

أثارت هذه التعديلات جدلاً عن مستوى النواب أيضًا بين ممثلي حزب جبهة العمل الإسلامي، حيث وجّهت النائبة بيان المحسيري قائمة من الأسئلة لوزير التعليم العالي حول مبررات وقانونية هذه التعديلات. ووصف النائب معتز الهروط هذه التعديلات بأنها “خطوة للوراء”، مقترحًا تمثيل المرأة عبر الكوتا بدلاً من التعيين الذي يتناقض مع جوهر الانتخابات. وبذلك، فإن الهدف الذي تريد العمادة تحقيقه بتمثيل مختلف فئات الطلبة ليس إشكاليًا إذا كان يعبّر عن أزمة واقعية، ويُحل عبر وسائل انتخابية لا تمس شرعية صناديق الاقتراع ورغبات الطلبة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى