
أيامٌ قليلة تفصل الطلبة عن انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية التي تُعد أول اختبار عملي للتعليمات الأخيرة التي منحت إدارة الجامعة حق تعيين ما نسبته 20% من أعضاء المجلس. لا يمكن تسمية هذه الانتخابات باسمها حقًا بعد أن أعلنت أربع كتل طلابية -من أصل خمسة- مقاطعتها التامة للانتخابات، لتقتصر المشاركة على كتلة واحدة فقط. وأمام هذا المشهد، قد يكون مفيد للذاكرة الطلابية العودة بالذاكرة لاستعراض الفترة المفصلية ما بين عامي 2000 و2008، والتي كان نظام المجلس فيها ينص على تعيين الإدارة لنصف الأعضاء ورئيس المجلس. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على تلك الحقبة، ومبررات الجامعة في إقرار نظام التعيين حينها، واستعراض ردود فعل القوى والشارع الطلابي، وصولاً إلى قراءة تأثير ذلك النظام على نتائج الانتخابات ومسار الحريات الطلابية بشكل عام.
التعيين ما بين الأعوام 2000-2008
صدرت “تعليمات مجلس طلبة الجامعة الأردنية لعام 2000” في أواخر عام 1999، وبدأ العمل بها مع مطلع العام 2000. نصت هذه التعليمات على أن يتألف مجلس الطلبة من ثمانين عضواً، يتم اختيارهم وفق صيغة المناصفة؛ حيث ينتخب أربعون عضواً (50%) عبر الاقتراع السري والمباشر من قبل الطلبة وفق نظام الصوت الواحد، بينما يتولى رئيس الجامعة تعيين الأربعين عضواً الآخرين (50%). أما فيما يخص رئاسة المجلس، والتي تمثل رأس السلطة التنفيذية فيه، فقد نصت التعليمات على أن يقوم رئيس الجامعة بتعيين رئيس المجلس من بين أعضاء المجلس الثمانين، سواء كانوا من الفئة المنتخبة أو المعينة، بحيث يتبع رئيس المجلس في صلاحياته وقراراته التنفيذية لإدارة الجامعة مباشرة.
على الرغم من أن نظام عام 2000 صادر حق الطلبة في اختيار كامل ممثليهم، إلا أن إدارة الجامعة سعت لتسويقه وتبريره عن طريق أكثر من ذريعة. تصدرتها الرغبة في كسر الاحتكار الذي كانت تفرضه تيارات معينة، على رأسها التيار الإسلامي الذي كان دائماً ما يحصل على أغلبية مقاعد المجلس. إلى جانب ذلك، دفعت الإدارة بحجة تمثيل الفئات التي غالباً ما تقصيها آليات التصويت التقليدية، مثل الطالبات الإناث، والطلبة الوافدين، وضرورة استخدام “التعيين” كأداة لحل هذه المشكلة، بالإضافة إلى رفع شعار حماية الحرم الجامعي من التدخلات الخارجية للأحزاب.
تتشابه هذه الحجج مع ما تسوقه الإدارة الحالية من مبررات لتعديها على حق الطلبة في انتخاب كامل ممثليهم بإعطاء نفسها حق التدخل وتعيين ما نسبته 20% من المجلس القادم. فاليوم، وبعد أكثر من 26 عاماً، تستمر إدارة الجامعة في استدعاء المبررات ذاتها. تناولت المدونة في مادة صحفية أخرى عدم واقعية هذه المبررات، أو بالأخرى المبالغة المفرطة في الاستناد لحجة تمثيل شرائح مختلفة من الطلبة بهدف تبرير التعيين.
غير أن لجوء الجامعة إلى استخدام هذه الإشكالية كذريعة لتمرير سياسة التعيين واقتطاع نسب من المقاعد يعد معالجة قاصرة لهذه الأزمة إن وجدت. فإذا كانت الإدارة تدرك استمرارية هذه المشكلة منذ عام 2000 على الأقل وتتخذها حجة مستدامة، فإن المسؤولية تقتضي منها معالجة جذور هذا الخلل الثقافي والاجتماعي عبر طرق وبرامج أكثر جدية تدعم وصول الطالبات لمواقع القيادة، بدلاً من الركون إلى الحلول السهلة التي تتعدى على حق الطلبة الأصيل والمكتسب في الانتخاب الكامل.
مقاطعة الانتخابات وأثرها على معدلات الاقتراع
لم يمر إقرار نظام عام 2000 دون صدام مع القوى الطلابية التي واجهت القرار بتوحدها، على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية بينها، في رفض تلك التعليمات. فالاتجاه الإسلامي -الذي كان يُعتبر أكبر المتضررين من القرار بحكم سيطرته السابقة على أغلبية المقاعد- اعتبر أن هذا النظام صُمم بشكل خاص لاستهداف وجوده ومحاولة إقصائه من المشهد، ورأى فيه تعدياً على الإرادة الطلابية، مما دفعه لإعلان مقاطعة شاملة لأول انتخابات أُجريت وفق هذا النظام. ولم تبتعد القوى اليسارية عن هذا الموقف، إذ اعتبرت مبدأ التعيين بمثابة “وصاية” مرفوضة وإهانة لوعي الطلبة ونضجهم. وحذرت هذه القوى حينها من الخطورة البالغة للجمع بين آلية “التعيين” ونظام “الصوت الواحد”، مؤكدةً أن هذا الدمج يهدف بالأساس إلى تفتيت الجسم الطلابي، وتحويل ولاءات الطلبة من التنافس الفكري والبرامجي إلى اصطفافات فئوية وعشائرية ضيقة ومفتتة.
ولم يقتصر الرفض على الكتل والتنظيمات السياسية فحسب، بل امتد أثره العميق ليطال الطلبة المستقلين والشارع الطلابي العام، والذي تفاعل مع نظام عام 2000 بحالة من العزوف التام عن المشاركة. فقد ساد شعور عام بانعدام الجدوى والإحباط، نابع من إدراك الطلبة بأن نتيجة أصواتهم لن تكون ذات أثر حقيقي على سياسات ما يجب أن يكون مجلسهم، طالما أن إدارة الجامعة تضمن لنفسها دائماً الأغلبية المطلقة والمريحة مسبقاً، وذلك عبر احتفاظها بنصف مقاعد المجلس وتعيينها لرئيسه، مما أفقد العملية الانتخابية معناها التنافسي.
هذه الحالة تجلت بشكل واضح في التباين الكبير لنسب المشاركة في الانتخابات؛ فمقارنة بالفترة الممتدة بين عامي (1992-1998)، والتي سُجلت فيها معدلات إقبال غير مسبوقة بلغت 60% إلى 70% في ظل وجود مجالس منتخبة بالكامل، هوت هذه النسب لتسجل ما يقارب 30% إلى 35% فقط في انتخابات عام 2000، ما شكل دلالة واضحة على رفض غالبية الطلبة للنظام الجديد وانهيار ثقتهم. وانتقالاً إلى عام 2008، وبعد رضوخ إدارة الجامعة وإلغاء نظام التعيين، عادت الروح للحياة الجامعية وارتفعت نسب المشاركة لتستقر بين الـ 50% والـ 60%، مُثبتةً بشكل صريح أن المشاركة الفاعلة ترتبط بشكل وثيق بشعور الطالب بقيمة صوته ومدى حرية الإرادة.
وعند الحديث عن نسبة الاقتراع المُعلنة في عام 2000 (والتي قُدرت بنحو 30% إلى 35%) لا يجب التغافل عن أنها لم تكن تعكس الحجم الحقيقي للعزوف الطلابي، حيث أنها نسبة متضخمة نتيجة آلية احتسابها. فقد تم استبعاد طلبة الأقسام التي فاز ممثلوها بالتزكية كلياً من إجمالي عدد الطلبة المسموح لهم بالاقتراع. ونظراً لكثرة المقاعد التي حُسمت بالتزكية في ذلك العام نتيجة المقاطعة وغياب المنافسة، فقد تم احتساب نسبة التصويت من قاعدة طلابية مصغرة تقتصر على الأقسام التي جرى فيها الاقتراع فقط، مما يعني أن نسبة المقترعين الفعلية قياساً بإجمالي الجسم الطلابي للجامعة كانت أدنى من ذلك بكثير.
كيف ألغى الطلبة اتحادات التعيين؟
في عام 2007، اتخذت الحركة الطلابية تحركات منظمة ساعية إلى إسقاط نظام التعيين واستعادة حقها بانتخاب المجلس كاملاً، ونقلتها من مرحلة المقاطعة السلبية إلى مرحلة الحراك الميداني المنظم. في مطلع تحركاتها كان تأسيس “الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة – ذبحتونا” والتي عملت كمظلة لمختلف التوجهات الطلابية. تبنى هذا الحراك القضايا المتعلقة بالحياة اليومية للطلبة، مثل الوقوف في وجه القرارات المتعلقة برفع الرسوم الجامعية، ما أكسبه تعاطف الشارع الطلابي والتفافه حوله. وبالتوازي مع عمل ذبحتونا، فقد صعدت القوى الطلابية ضغطها بطرق مختلفة مثل توثيق الانتهاكات وإصدار تقارير دورية ترصد واقع الحريات الأكاديمية، إلى جانب مخاطبة عدة جهات مثل المركز الوطني لحقوق الإنسان ومجلس النواب، مما جعل إدارة الجامعة تحت ضغط إعلامي وحقوقي غير مسبوق.
بدأ عام 2008 بحوار مفتوح مع طلبة الجامعة، أطلق خلاله رئيس الجامعة الدكتور خالد الكركي وعداً صريحاً بإلغاء نظام التعيين وتحويل المجلس إلى اتحاد طلبة بانتخابات كاملة، مخاطباً إياهم بعبارته الشهيرة التي رسخت في الذاكرة الطلابية: “موقعي كرئيس للجامعة الأردنية مرهون بإعطائي حريتكم الكاملة، فكونوا أحراراً… نجحتم أم لم تنجحوا، المهم أن لا تكونوا عبيداً”. أدى هذا الوعد إلى رفع سقف التوقعات وجعل الكتل الطلابية في حالة انتظار للإعلان الرسمي لتعديل التعليمات. إلا أنه حدث تراجع مفاجئ من قبل إدارة الجامعة عن وعدها في شهر نيسان، بررته بحدوث مشاجرات طلابية واسعة داخل الحرم الجامعي، معتبرةً أن البيئة غير مهيأة لإجراء انتخابات حرة بالكامل، وقررت الإبقاء على نظام التعيين ولو بشكل مؤقت.
أثار هذا التراجع غضباً واسعاً، واعتبرته الكتل الطلابية وحملة “ذبحتونا” مجرد ذريعة ومماطلة، مما نقلها إلى مرحلة تصعيدية جديدة من الحراك، كان أبرز أشكالها تنظيم اعتصامات حاشدة رفعت شعارات “إلغاء نظام التعيين” و”جامعات خالية من القبضة الأمنية” للضغط على إدارة الجامعة لتنفيذ وعدها. واستمرت هذه الحالة حتى شهر تشرين الثاني، حين تُوجت بالإعلان الرسمي عن إلغاء نظام التعيين وإقرار تعليمات جديدة لاتحاد الطلبة نصت على انتخابات حرة وكاملة لجميع المقاعد، والتي جرت بالفعل في الثامن عشر من كانون الأول.
في الختام، يقدم لنا التاريخ الجامعي درساً، وهو أن أي محاولة للانتقاص من الإرادة الطلابية عبر بوابات “التعيين” أو “الوصاية” لا تنتج مجالس فاعلة، بل تؤسس للعزوف والإحباط. إن ما عاشته الجامعة الأردنية بين عامي 2000 و2008 يثبت أن استقرار العمل الطلابي ونضج وعي الطلبة لا يتحققان بتقييد حريتهم. واليوم، تقف الجامعة أمام مفترق طرق مشابه، والرهان معقود على مدى قدرة الإدارة على قراءة دروس الماضي، وإدراك أن الطريق إلى بناء اتحاد طلبة حقيقي يمر عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر هندسة النتائج بقوائم التعيين.



