مدونات الطلبة

المدونة تنشر فصل “الجامعة” من كتاب خالد الكركي 

مع عودة التعيين في اتحاد الطلبة إلى الجامعات، وقرار الكتل الطلابية (أهل الهمة والكرامة والتجديد والعودة) بمقاطعة الانتخابات، عادت سيرة الدكتور خالد الكركي إلى أذهان الطلبة، وهو الذي قام بإلغاء التعيين في اتحاد طلبة الجامعة الأردنية عام 2008 عندما أصبح رئيسًا لها بعد أن استمر هذا القرار لسبعة أعوام كاملة منذ عام 2000. حينها، خاطب الكركي الطلبة قائلاً: “موقعي كرئيس للجامعة الأردنية مرهون بإعطائي حريتكم الكاملة، فكونوا أحراراً… نجحتم أم لم تنجحوا، المهم أن لا تكونوا عبيداً”. 

من هذا الاقتباس وبالتزامن مع نتائج انتخابات الجامعة الأردنية، تنشر المدونة الطلابية أحد فصول كتب الكركي، وهو كتاب سنوات الصبر والرضا الذي صدر عام 1999. في هذا الكتاب، مزج الكركي بين سيرته الذاتية والتأمل الفكري، ليستعرض مراحل من حياته وتجربته الوطنية والثقافية بأسلوب أدبي رصين. تناول الكتاب قضايا الإنسان والمجتمع والوطن، وعكس قيم الصبر والرضا في مواجهة التحديات والتحولات التي مرّت بها المنطقة العربية. 

أما الفصل الرابع الذي تتيحه المدونة الطلابية في هذه المادة فهو الفصل الذي تحدث فيه الكركي عن تجربته كطالب في الجامعة الأردنية. هذا الفصل ليس مجرد مادة أدبية، بل وثيقة تاريخية للأحداث التي عايشها الطلبة في تلك الفترة، بالإضافة لكونه مدخلاً إلى فهم شخصية رئيس الجامعة الذي قرر إلغاء التعيين ووقف سندًا إلى جانب الطلبة وحرياتهم، وليس وصيًا عليهم أو محاربًا لهم. نتمنى لكم ولكن قراءة ممتعة، ونشجعكم على قراءة الكتاب كاملاً، والذي تجدونه متاحًا للاستعارة في مكتبة الجامعة الأردنية ومكتبة مؤسسة عبد الحميد شومان. 

“وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم
يقولون لا تهلك أسى، وتَجَمَّلِ” 

(امرؤ القيس) 

مكانان في عمّان: يهزان منك وجدانك كلما تذكرتهما: الجامعة الأردنية ورابطة الكتاب. وقد أخذت الجامعة من عمرك ستة عشر عاماً، طالباً في المرحلة الأولى، ثم في الدراسات العليا، ثم مدرساً، وأخذت الرابطة بضع سنوات من الشغف الثقافي باسم الحرية والديمقراطية، وقد تعلمت فيهما قوة سلطة الثقافة والمعرفة، حتى أعلنت ذلك حين صرت وزيراً، ووقفت مناهضاً ثقافة السلطة ما دام العالم الثالث يرى الحكومة نهاية السلطة ودورها، والحكومات تخطئ وتصيب، والكتاب والمثقفون يحول شاردة عصية على التدجين، ولعلك كنت أقربهم لأعتى تجربة في صلة المثقف بالسلطة، حيث كان السؤال ما يزال مطروحاً على مستوى العالم كله…

كان ذلك اليوم في تشرين الأول سنة 1965، وذلك أثبت تفقه في أول الصباح عند لوحة أخبار كلية الآداب، تقرأ أسماء بين طلبتها، وتدفق في برنامج العام كله، ومعك جمع من الفتية الذين التحقوا بالكلية، ومنهم من كان مثلك، من أوائل الثانوية العامة، أعرف أنك تحاول عند هذه النقطة أن تراوغ الكتابة حتى لا تغفل في وصف مشاعرك في ذلك الصباح، لا شك أنك كنت فخوراً بنفسك، فأنت الآن طالب جامعي، والزملاء قادمون من ضفتي النهر، والقلق يجتاحك من أمرين: الأولى أنك لم تعرف “المعلمين” بعد، والثاني سرب الحسان الذي مرّ منذ قليل فذكّرك أن الجامعة تتبع نظام الاختلاط، ومرورهن ليس عابرًا لصباح واحد، وسوف ترى بعضهن بعد قليل في قاعة الدرس، فتغمرك الحيرة، ويجتاحك القلق عند أول لفتة وسؤال.

كانت الجامعة الأردنية -حرسها الله- في زهو سنواتها الأولى حالة من الفصاحة والبلاغة والتشدد الجميل يوم جئنا إليها من القرى والبوادي، ويوم كان علماؤها، وهم نخبة قليلة، يفتحون لنا الدروب الوعرة إلى مصادر التراث والفكر، وإلى بهجة المناهج والحيرة أمامها، وإلى بلاغة اللسان، وما يعينه ذلك من تعب في البحث، وتطويع للروح على هذا الجديد.

كانوا أساتذتنا، وكان يحضر معهم إلى صفوف الدراسة شعراء وسياسيون وكتّاب، وكنت ترى المثقب العبدي وزهيرًا إلى جانب هاشم ياغي، وتكاد ترى ناصر الدين الأسد مع شعراء المعلقات، وقيس بن الخطيم وسحيم عبد بني الحسحاس يتجادلون في ساحات كلية الآداب، وكان محمود السمرة يضيء لنا دروب البلاغة والنقد في الشرق والغرب، وعبد الكريم خليفة، وأحمد فؤاد الأهواني، ومحمد عبده عزام، وأحمد أبو حاكمة يرحلون بنا في دنيا قديمة جديدة حتى نحس أحياناً أننا عباسيون أو أندلسيون أو غربيون، أو نكاد نرى حجارة مسارح الإغريق تهتز عند أعمدة بوابة الكلية الأولى رعاها الله.

تعرف أنه لولا وصية أبيك الأولى بأن تظل بين الأول في المدرسة لما وصلت إلى الجامعة، وذاك أنت تسعى بين رفاقك في عامك الأول، وقد رشحتك وزارة التربية والتعليم لدراسة اللغة الإنجليزية، لكن هذا الذي تسمع من فصاحة وبلاغة وشعر يحفر في صخر روحك حتى تندى بالشعر والحب معًا، فتعلن منذ بداية العام الثاني عصيانك حتى تتغير بعثتك إلى اللغة العربية، وهناك تهدأ بك الحياة، ويلم بك طائف من الوجد والحب، وتوزع وقتك بين مكتبة الجامعة، ودروس الأساتذة، وشوارع عمّان.

كان هذا الزمان في أول سنتين لك، إذ لا تلبث حرب حزيران أن تنشب أظفارها في لحم الأمة، وأنتم بعد على مقاعد امتحان السنة الثانية، فيتغير عالم قديم، وتخرج من فضاء قصيدة الأطلال إلى مناخ شعر المقاومة، وتتحول الجامعة إلى روح نابضة بالثورة والفداء، ويندفع زملاؤك إلى ميادين التدريب، وآخرون إلى العمل السياسي، وغيرهم إلى اتحادات الطلبة، وأنت بين هذا كله تعيد تشكيل نفسك ومواقفك، فقد أصبحت فلسطين كلها محتلة، وأستاذكم لمادة الأدب في فترة الحروب الصليبية محمود إبراهيم يوغل نبشاً في صور النضال ضد الاحتلال، والماضي يرتبط بالحاضر، وأستاذكم سامي الدهان يوقظ صلاح الدين الأيوبي، وشيخكم الكبير شوقي ضيف يوغل في ديوان المتنبي شرحاً وإضاءة، حتى تبدو ملامحه العربية عابقة بالكبرياء والشموخ، وكأنه يشدكم إلى زمنه وأنتم تبحثون عن طريق في زمن اشتدت فيه معارك الطلاب من أجل الحرية والتجديد في أهم جامعات الدنيا في أواخر الستينيات، وكان “الجيل الغاضب” العربي قد بدأ يتشكل، ثم لا تلبث قوى السلطة العربية أن تطبق عليه، فيسكت عنه الغضب ولو إلى حين، بينما ترفع معركة الكرامة راية النصر للأمة، وكم كنت سعيداً حين تم اختيارك بين وفد لزيارة الجرحى في المستشفى العسكري في ماركا، أو حين كنت تغادر وزملاءك المحاضرات للمشاركة في تشييع جنازة شهيد، أو حضور تأبين زميل رحل شهيداً على أرض فلسطين. 

يا للحجر لو يتذكر، ويا للشجر لو عرف الكتابة! تلك هي الجامعة على مد البصر منك وأنت تكتب هذه الصفحات، فعد إليها، ونقب في الزوايا عن صباك الذي رحل، وحبك الذي أسكنته الروح والكتابة، أتذكر تلك السنوات البهية وأنت تحاور رفيقة الدرب وتحاول إقناعها بأنك شاعر! أم لعلك تستعيد النشاط الثقافي بجمعياته ومجلاته، وقد كنتما معاً فيه، وأنت تصعد ذات مساء إلى منبر المدرج الرئيسي لتقدم نتائج مسابقة ثقافية، فتجتاحك الرهبة من الجمهور، لكنك تبصرها بينهم، فتعود إليك نفسك الأمارة بالتردد، فتصير منذ تلك اللحظة “خطيبًا” يجد من يشهد له بجودة الكلام!

كان زماناً مختلفاً؛ وكانت يقظة تشعل الجمر في رماد ما تبقى من حرب حزيران، وكان العمل الفدائي والكرامة وشعر المقاومة، وجيفارا، وعبد المنعم رياض تملأ أروقة الجامعة وقاعاتها، وكانت فلسطين والثورة والحب والغضب تمتزج مثل قصيدة لمحمود درويش قادمة من فلسطين، وهو يحاور فدوى طوقان التي هتفت في مدرج جامعتنا: “يمينًا بعد هذا اليوم لن أبكي”، فتوقفنا عن قراءة معلقة امرئ القيس، وعن الوقوف معه، وسار الزمان في دربه الجديد مثل حلم تحاول الآن أن تستعيده فلا يظل منه إلا مثل الذي في يد “قابض على الماء، خانته فروج الأصابع”. 

إنه زمن أواخر الستينيات، تكاد ترى الآن لونه القاني وأنت تنشر كتابك “حماسة الشهداء”، فتمر بهم وأنت تستعيد قصيدة أمل دنقل “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، ويجتاحك الأسى حين تستعيد الظروف التي أدت إلى فتنة أيلول سنة ١٩٧٠، السنة التي صرت فيها معلمًا بعد أن غادرت الجامعة في صيف 1969، وكنت قد حملت معك منها أعلى من تحبّ، بعد أن خسرت وجيلك الشعر والحرب والثورة. وهنا أنت غير قادر على المزيد من البوح، وقد يكمل الصورة ذات زمان من ذاقوا مثلك لوعة ذلك الزمان وحرمانه وأساة الكبير، قد يكملها محمد الوحش، ومحمد ناجي عمايرة، ومطيع عبيسات، وإنصاف قلعجي، ولن يتمكن اثنان عزيزان من الكلام، قد رحلا قبل الأوان: محمد الخشمان ومازن العوران. 

أربع سنوات حلوة مرّة، ستخرج منها بشهادة ورفيقة عمر، وستندفع إلى التعليم بين الكرك وعمان خمس سنوات طوال، ويكون لك أن تضع روحك بين نار التجربة في مدارس الكرك الثانوية، ورغدان، وكلية الحسين، وأن تقف أمام طلابك، وستقوم بينك وبينهم مودة ما تزال راسخة، وهم يلقونك وأنت في آخر الكهولة وهم في أول الشباب، وستظل عمان نقطة الارتكاز لك، حتى تعود إلى الجامعة بعد سنوات خمس للتحضير لشهادتك الجامعية الثانية، وقد أزهر تشرين بشهداء الأمة من جديد، وتكون موظفًا في عمادة البحث العلمي وطالبًا تعدّ رسالتك للماجستير عن “طه حسين روائيًا”، هذا العملاق الذي رحل وأنت في السنة الأولى من الإعداد لهذه الدرجة، ثم لا تلبث أن تغيب عنها لشهادتك الأخيرة ثلاث سنوات ونيف، لتعود إليها في الثمانينات كلها تقريبًا، تفتح نوافذ الشعر على الشنفري، ومالك بن الريب، والمتنبي، وأبي تمام، وبدر شاكر السياب، وأمل دنقل، وتبدو لنفسك كأنك لن تهدأ إلا بالموت، فتمد نشاطك إلى المهرجانات الثقافية، ورابطة الكتاب، وتقول المرحلة كلّها في مقالاتك “أوراق عربية”، وكتابك عن “الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث”. وبحثك المتواصل عن روح شاعر الوطن الكبير “عرار”، “ورابطة الكتاب الأردنيين”، وبهجة البحث عن آفاق جديدة للكتابة والديموقراطية، وقد وجدت نفسك عضوًا فاعلاً في انتخاباتها السنوية حتى صرت رئيسًا لها لعامين في منتصف الثمانينات، وحين يشتد القلق في زمن التحوّل ذاك، وتندفع القوى الجديدة في المجتمع الأردني مطالبة بإنهاء الاحكام العرفية، وفتح المجال للحريات العامّة، خاصة الدستورية منها، تجد الرابطة نفسها محاصرة بسوء الفهم الحكومي وتدرك آنذاك أنك في صف سلطة الثقافة التي تواجه محاولة السلطة فرض هيمنتها وتصوّرها للثقافة على الرابطة، فتقف مع زملائك الكتاب تملأون المنابر كلامًا جميلاً، ويكون لكم من الجامعة الأردنية سندٌ في مؤتمراتها الثقافية الشاملة، وتعزز جامعة اليرموك صورة هذا النضال في مهرجانها الأول عن عرار، وتسندكم الصحف الكبيرة اليومية، ويشتد الجدل حتى تغلق الرابطة في صيف 1987 بقرار من الحاكم العسكري، وتبقى حتى يعود الزمان لدورته، فتجد نفسك في نهايات عام 1989 وزيرًا للثقافة في أول حكومة بعد استثناف الديمقراطية، وتعود الرابطة مباشرة كما كانت، وتسند رئاستها بعد زمنك إلى العزيز الشاعر عبدالرحيم عمر، وتذكّر نفسك أن تظل في جبهة الثقافة في هذا الصراع الذي يجتاحك بين الرؤية الحرة للمثقف، وتفسير الأمور بالمصلحة عند السياسي، وحين يصير العتم شديدًا في المشهد العربي كلّه تدرك كم على المثقف أن ينأى بنفسه عن الآني، فتعكف على تدوين أفكار تحفظ لك صلتك بالثقافة والجامعة، ويكون من بينها بعض ما في هذا الكتاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى